ابن حمدون

176

التذكرة الحمدونية

لوجهه . وقدم غسّان بن عبّاد فسأله عن علَّته وسببها ، فحلف له أنه لم يكن عليلا ولا كتب بشيء من هذا ، فعلم المأمون أن طاهرا احتال عليه بابن أبي خالد ، وأمسك على ذلك ، فلما كان بعد مدة من مقدم طاهر إلى خراسان قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة ، فقال له عون بن مجاشع بن مسعدة صاحب البريد : كيف أقدمت على هذا الفعل ولم تدع في هذه الجمعة لأمير المؤمنين ؟ فقال : سهو وقع فلا تكتب به ، وفعل مثل ذلك في الجمعة الثانية وقال لعون : لا تكتب به ، وفعل مثل ذلك في الجمعة الثالثة ، فقال له عون : إنّ كتب التجار لا تنقطع من بغداد ، وإن اتصل هذا الخبر بأمير المؤمنين من غيري لم آمن أن يكون سبب زوال نعمتي . فقال : اكتب بما أحببت ، فكتب إلى المأمون بالخبر ، فلما وصل كتابه دعا بأحمد بن أبي خالد وقال : إنه لم يذهب عليّ احتيالك عليّ في أمر طاهر وتمويهك له ، وأنا أعطي اللَّه عهدا لئن لم تشخص حتى توافيني به كما أخرجته من قبضتي ، وتصلح ما أفسدته عليّ من أمر ملكي لأبيدنّ غضراءك [ 1 ] ، فشخص أحمد وجعل يتلوّم في الطرق ويقول لأصحاب البرد : اكتبوا بخبر علَّة أجدها . فلما وصل إلى الرّيّ لقيته الأخبار بوفاة طاهر ، ووافته رسل طلحة [ بن طاهر ، فأغذّ السير حتى قدم ] خراسان فلقيه طلحة على حدّ عمله [ 2 ] ، فقال له أحمد : لا تكلَّمني ، ولا ترني وجهك فإنّ أباك عرّضني للعطب وزوال النعمة مع احتيالي له وسعيي كان في محبّته . فقال له : أبي قد مضى لسبيله ، ولو أدركته لما خرج من طاعتك ، وأنا فأحلف لك بكلّ ما تسكن إليه ، وأبذل لك كلّ ما عندي من مال وغيره ، فاضمن عني حسن الطاعة وضبط الناحية ، والإخلاص في النصيحة . فكتب أحمد بخبره وخبر طاهر وخبر طلحة إلى المأمون ، وأشار بتقليده . فأنفذ المأمون إليه اللواء والعهد والخلع ، وانصرف أحمد إلى مدينة السلام .